ابن أبي مخرمة
470
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
كان أميرا كبيرا ، فارسا شجاعا مقداما ، مشهورا ، عالي الهمة ، صحب المظفر ولاذ به ، ودخل في طاعته ، وذلك في سنة ست وسبعين « 1 » وست مائة ، ولم يزل على ذلك إلى أن استمر المؤيد مقطعا في صنعاء ، وذلك في سنة سبع وثمانين ، فحصلت الوحشة بينه وبين الشريف ، فأخرج الشريف حريمه من صنعاء ليلا ، وامتنع من الوصول إلى المؤيد ، وكتب الشريف إلى المظفر وقال : تعلم يا مولانا أن ولدك ملك شاب قادر ، وأقل العبيد يخشى منه بادرة ، فأكثر ما تقول : أخطأ داود . ثم تأكدت الوحشة ، وتظاهر الشريف بالخلاف ومراسلة الإمام مطهر بن يحيى وموافقة الأشراف على حرب المظفر ، وذلك في سنة اثنتين وتسعين بعد أن استخلف ولده الأشرف ، ولما مات المظفر . . تنازع الأشرف والمؤيد ، فكتب الأشرف إلى الشريف يستدعيه لحرب المؤيد ، فوصل بعسكر جرار ، فكانت وقعة الدعيس المشهورة ، لزم فيها المؤيد وولداه الظافر والمظفر ، فأنعم الأشرف على الشريف ، وأعطاه مالا جزيلا ، وكتب له بإقطاع العظيمة والميقاع ، وذلك في سنة خمس وتسعين ، فلما توفي الأشرف ، وولي المؤيد مكانه في سنة ست وتسعين . . لم يكن له همة إلا بلاد الشريف ، فطلع البلاد العليا ، وحط على الميقاع في آخر سنة سبع وتسعين ، ثم ارتفع عنه ، ثم عاد إليه في صفر من سنة ثمان وتسعين ، فحاصره وضيق عليه تضييقا شديدا ، فلما ضاق الشريف . . كتب إلى المؤيد في الصلح وطلب الذمة ، ثم وصل إلى المؤيد ، وتلقاه المؤيد لقاء حسنا ، وأكرمه إكراما تاما ، وأذم على يده لسائر الأشراف ، ورجع المؤيد إلى صنعاء ، ثم إلى تعز ، ثم إلى زبيد ، ثم رجع إلى تعز والشريف في جميع ذلك صحبته ، فعيد الشريف بتعز عيد الفطر ، ثم استودع السلطان وهما على السماط ، وتوجه إلى بلاده في شوال من السنة المذكورة . قال ولده الشريف إدريس : تذاكرنا يوما عند والدي إنصاف المؤيد وما أعطاه من الأموال في ثمانية أشهر من يوم خروجه من الميقاع سلخ صفر إلى أن فارقه مستهل شوال ، فحسبناه جملا لا تدقيقا ، فكان أكثر من سبعين ألف دينار خارجا عن الكسوات والخيول والعروض والآلات . وكان الشريف جمال الدين فصيحا ، وله شعر جيد في مدح المظفر وغيره .
--> ( 1 ) في « السلوك » ( 2 / 87 ) و « العقود اللؤلؤية » ( 1 / 324 ) و « هجر العلم » ( 4 / 1922 ) : ( الحسن ) .